محمد أبو زهرة
1724
زهرة التفاسير
يأمرك بكذا ، ولله المثل الأعلى في أوامره ونواهيه ، وذلك فوق التأكيد ب « إن » في صدر النص الكريم . والأمانة مصدر بمعنى المفعول ، فالمراد بالأمانة ما يؤتمن الإنسان عليه ، وقد جمعها سبحانه بقوله تعالى الْأَماناتِ لتشمل كل ما يؤتمن الإنسان عليه من علم ، ومال ، وودائع ، وأسرار ، وغير ذلك مما يقع في دائرة الائتمان وتنبغى المحافظة عليه . ومعنى أدائها إلى أهلها توصيلها إلى ذويها كما هي ، من غير بخس ولا تطفيف . فالعالم يؤدى أمانة العلم من غير تزيد عليها ، ولا تحريف لها ؛ لأن التزيد طمس لمعالم العلم ، والتحريف تبديل للحق . فمن أوتى علما بالقرآن لا يؤوله لهوى في نفسه ، بل يقدمه للناس من غير تحريف للكلم عن مواضعه . والحكم أمانة في أعناق الحكام ، عليهم أن يؤدوا الأمانة فيه بإقامة العدل ، وتوخى المصلحة ، وتجنب الفساد ، سواء أكان فسادا معنويا ، أم كان فسادا ماديا ، والأول أعلى أنواع الفساد ، والثاني أدناها . ومن أمانة الحكم ألا يشقوا على الرعية ، وألا يفسدوا ضمائرهم ، ولا يزعجوهم بالتظنن والتتبع ما داموا مؤمنين مذعنين ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً . . . ( 12 ) [ الحجرات ] . وإذا كانت رعاية الأمانات وأداؤها واجبا مفروضا على الأمة كلها ، حاكمها ومحكومها ، وأنها متفاوتة المراتب ، فإن الحاكم قد اختص بواجب آخر هو العدل ، وهو من نوع الأمانة التي اختص بها ، ولذا قال سبحانه بعد الأمر بأداء الأمانات : وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ قال بعض العلماء : إن الخطاب في هذا النص موجه إلى الذين يحكمون ، وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحاكم ، ولا مانع عندنا من أن يكون الخطاب موجها للأمة كلها ؛ لأن الأمة العزيزة غير الذليلة التي تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر ، هي محكومة ومحكمة ، فهي التي تختار حاكمها ، وهي في هذا محكمة ،